السيد محمد باقر الصدر

86

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )

بالمعلومات الثانوية . والعملية التي تستنبط بها معرفة نظرية من معارف سابقة هي العملية التي نطلق عليها اسم الفكر والتفكير . فالتفكير : جهد يبذله العقل في سبيل اكتساب تصديق وعلم جديد من معارفه السابقة . بمعنى : أنّ الإنسان حين يحاول أن يعالج قضية جديدة كقضية ( حدوث المادّة ) - مثلًا - ليتأكّد من أنّها حادثة أو قديمة يكون بين يديه أمران : أحدهما الصفة الخاصّة وهي ( الحدوث ) ، والآخر الشيء الذي يريد أن يتحقّق من اتّصافه بتلك الصفة وهو ( المادّة ) . ولمّا لم تكن القضية من الأوّليات العقلية ، فالإنسان سوف يتردّد بطبيعته في إصدار الحكم والإذعان بحدوث المادّة ، ويلجأ - حينئذٍ - إلى معارفه السابقة ليجد فيها ما يمكنه أن يركّز عليه حكمه ، ويجعله واسطة للتعرّف على حدوث المادّة ، وتبدأ بذلك عملية التفكير باستعراض المعلومات السابقة . ولنفترض أنّ من جملة تلك الحقائق التي كان يعرفها المفكّر سلفاً هي ( الحركة الجوهرية ) التي تقرِّر أنّ المادّة حركة مستمرّة وتجدّد دائم ، فإنّ الذهن سيضع يده على هذه الحقيقة حينما تمرّ أمامه في الاستعراض الفكري ، ويجعلها همزة الوصل بين المادّة والحدوث ؛ لأنّ المادّة لمّا كانت متجدّدة فهي حادثة حتماً ؛ لأنّ التغيّر المستمرّ يعني : الحدوث على طول الخطّ ، وتتولّد - عندئذٍ - معرفة جديدة للإنسان ، وهي : أنّ المادّة حادثة ، لأنّها متحرّكة ومتجدّدة ، وكلّ متجدّد حادث . وهكذا استطاع الذهن أن يربط بين الحدوث والمادّة ، وهمزة الربط هي حركة المادّة ، فإنّ حركتها هي التي جعلتنا نعتقد بأ نّها حادثة ؛ لأنّنا نعلم أنّ كلّ متحرّك هو حادث . ويؤمن المذهب العقلي لأجل ذلك بقيام علاقة السببية في المعرفة البشرية